الشريف المرتضى

12

الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )

« واحتجّ الذين ذهبوا إلى أنّ نظمه - يعني القرآن - ليس بمعجز ، إلّا أنّ اللّه تعالى أعجز عنه ، فإنّه لو لم يعجز عنه لكان مقدورا عليه ، بأنّه حروف قد جعل بعضها إلى جنب بعض ، وإذا كان الإنسان قادرا على أن يقول : « الحمد » ، فهو قادر على أن يقول : « للّه » ، ثمّ كذلك القول في كلّ حرف . وإذا كان هكذا فالجميع مقدور عليه ، لولا أنّ اللّه تعالى أعجز عنه » . هذا ، ولخطورة هذا الرأي من حيث آثاره وتبعاته وما يترتّب عليه من القول بأنّ نصّ القرآن لا يعدّ آية ومعجزة في جوهره وذاته ولا علما لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وإنّما هو آية من جهة عارض خارجيّ عرض على المتحدّى به ، فسلبه القدرة على المعارضة جبرا ، بعد أن سلب اختياره وإرادته ، ولتباين المذاهب الاعتقاديّة بين المتكلّمين ؛ واجه القول بالصّرفة استنكارا واسعا منذ أن خرج إلى الأوساط العلميّة ببغداد في بدايات القرن الثالث الهجريّ ، فانبرى جماعة للردّ عليه ، والتّشهير به ، والطّعن بأدلّته ، وتسفيه قائليه ، واستمرّ الأمر على ذلك حتّى يومنا هذا . وسوف نشير لاحقا إلى أسماء ثلّة ممّن عارضوا هذا المذهب من المتكلمين والأدباء والمفسّرين والفقهاء ، من المتقدّمين والمتأخّرين . ينسب إلى أبي إسحاق إبراهيم النظّام المتوفّى سنة بضع وعشرين ومائتين أنّه أوّل من قال بالصّرفة ، وأنّه مبتدع هذه الفكرة . وقد شاعت هذه النسبة إليه حتّى غدت من الأمور الثابتة في هذا الباب . ولكن من الصعب الاطمئنان إلى هذه النسبة - أو على أقلّ تقدير لتفاصيل مذهبه - لأنّ النسبة إليه جاءت من كتب مخالفيه من الأشاعرة والمجبرة والحشويّة الذين يحاولون الطعن في معارضيهم بأقوال تنافي أو تستلزم المنافاة للمعتقد العامّ عند عامّة المسلمين ، خاصّة إذا لاحظنا أنّه كان للنظّام رأي خاص - يخالف به المذاهب السنيّة والحشويّة - في شرعيّة خلافة